❗خاص ❗️sadawilaya❗
حمزة العطار
المواجهة المفتوحة بين طهران وواشنطن اليوم لا تشبه حروب الخليج ولا اجتياح العراق. ما نشهده هو كباش محسوب على حافة الهاوية، هدفه الوحيد رفع سقف المكاسب قبل الجلوس إلى طاولة تفاهم جديد. حتى لو حصل أي تصعيد عسكري، سيبقى تصعيداً تكتيكياً لأجل التفاوض، لا حرباً كبرى لا تخدم الطرفين.
1. لماذا لا يريد أحد الحرب الكبرى؟
إيران منهكة اقتصادياً وتعرف أن أي ضربة شاملة لمنشآتها النفطية والنووية ستعيدها سنوات إلى الوراء. استراتيجيتها كانت دائماً "الردع بالاستنزاف"، لا المواجهة المباشرة التي تؤدي إلى انهيار داخلي.
أميركا لا تستطيع فتح جبهة جديدة في الشرق الأوسط قبل أن تحسم ملف الصين وروسيا. إدارة واشنطن تدرك أن حرباً مع إيران تعني نفطاً بـ120 دولاراً، وتضخماً جديداً، واستنزافاً عسكرياً لا تحتمله داخلياً.
لذلك، كل ما يحصل اليوم هو رسائل قوة لرفع كلفة التصعيد على الطرف الآخر، مع إبقاء الباب مفتوحاً على تفاهم يجمّد الصراع لسنوات.
2. ماذا يربح كل طرف من التفاهم؟ وماذا يخسر بالتصعيد؟
لإيران: تخفيف عقوبات جزئي، عودة تدفق النفط، وشرعنة نفوذها الإقليمي ضمن سقف متفق عليه. التصعيد يعني ضرب منشآتها الاستراتيجية وعزلة دولية أشد.
لأميركا: تجميد البرنامج النووي الإيراني 10-15 سنة إضافية بلا طلقة واحدة، وتهدئة الخليج وإسرائيل، والتفرغ للملف الصيني. التصعيد يعني حرباً بحرية وجوية مكلفة، وضربة لصورة الردع الأميركي.
النتيجة الأقرب هي اتفاق على نمط "لا حرب ولا سلام": تجميد التخصيب العالي مقابل تخفيف عقوبات، وقف الاغتيالات والضربات المفتوحة، وتجميد نشاط الوكلاء ضمن قواعد اشتباك واضحة. ملف السلاح لا يُحسم، بل يُجمّد.
3. مخرجات التفاهم على لبنان: حكومة غير تصادمية وربما رئاسة جديدة
أي تفاهم إقليمي ينعكس مباشرة على لبنان، لأن حزب الله هو الورقة الأقوى لطهران. المخرج المتوقع هو:
أولاً: هدنة طويلة بلا نزع سلاح
تجميد قواعد الاشتباك على حدود 2006، مقابل إعادة إعمار يموّلها الخليج. السلاح يبقى، لكن استعماله يتجمّد. هذا السيناريو يشبه ما حصل بعد 2006، لكنه قد يستمر 15-20 سنة.
ثانياً: تغيير في الحكومة والرئاسة
التسوية تتطلب حكومة "تسيير مرحلة" قادرة على إدارة الإعمار والهدنة. هذا يعني رئيس حكومة سني غير تصادمي، مقبول من الخليج، وعنده قدرة على الحوار مع حزب الله من دون فتح ملف السلاح علناً. شخصية تكنوقراط من خارج بيت الحريري، أو حتى عودة مقيدة لنجيب ميقاتي، تصبح واردة.
الرئاسة نفسها قد تدخل في هذا السياق، إذا كان المطلوب وجهاً جامعاً يغطي المرحلة ولا يستفز أي طرف. الهدف ليس حلاً جذرياً، بل إدارة الهدنة وتشغيل عجلة الإعمار.
4. من يخسر في هذه المعادلة؟
الخاسر الواضح سيكون القوى التي بنت خطابها على المواجهة المباشرة مع سلاح حزب الله، وعلى رأسها القوات اللبنانية والكتائب.
إذا تثبت الهدنة والإعمار، يفقد هذا الخطاب سقفه السياسي. الضغط الخارجي يتراجع، والإعمار يقطع ورقة "فشل الدولة"، والحكومة الجديدة تُركّب خارج إطار 8 و14 آذار التقليدي. عندها إما أن يليّنوا خطابهم باتجاه المحاسبة والإعمار، أو يبقوا في خانة المعارضة الأيديولوجية بلا قدرة على التأثير.
الخلاصة
ما يجري اليوم ليس طريقاً إلى حرب كبرى، بل إلى تسوية مؤقتة تعيد ترتيب النفوذ الإقليمي لعقدين قادمين. ولبنان، كالعادة، سيكون أول من يتأثر بهذه التسوية. التغيير الحكومي والرئاسي القادم لن يكون نتيجة انتخابات داخلية بقدر ما سيكون انعكاساً لتوازن إقليمي جديد: حكومة تمسك الإعمار، ومقاومة تمسك الردع، والكل يلتزم بقواعد لعبة جديدة.
السؤال لم يعد "هل سيحصل التفاهم؟" بل "من سيتكيف معه أسرع ليحافظ على موقعه؟"